وهبة الزحيلي

115

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

القبض ، وأجاز الجمهور رهن المشاع مثل بيعه وهبته ، ويسلّم للمرتهن كل الشيء المشترك ، ويتم التناوب عليه بطريق المهايأة . ثم عادت الآية إلى تقرير احتمال وجود الثقة والائتمان بين المتعاملين ، فصرحت بأنه إن أمن بعض الدائنين بعض المدنيين ، لحسن ظنه به ، وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ، وهذا هو البيع بالأمانة ، فليؤد المدين الذي اؤتمن أمانته أي دينه الذي ائتمنه الدائن عليه ، فلم يأخذ منه رهنا ، وليكن عند حسن ظن الدائن به ، وليتق اللّه ربه في رعاية حقوق الأمانة ، وعدم خيانتها ولا جحودها ولا التأخر في دفعها ، فاللّه خير الشاهدين ، وهو أولى أن يتّقى . وسمي الدين أمانة لائتمان المدين عليه بترك الارتهان عليه . وجمع في قوله : وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ بين الألوهية وصفة الربوبية للمبالغة في التحذير من الخيانة التي تغضب الإله المعبود بحق ، وربه الذي يربيه ويلي شؤونه ويدبر مصالحه . ثم أكد سبحانه النهي السابق عن الإباء عن أداء الشهادة وتحملها ، فنهى عن كتمانها أي إخفائها بالامتناع عن أدائها ، مجددا النهي فيما يليق ببيع الأمانة ، مع ما فيها من زيادة تزعج الشاهد ، وتهدده بعقوبة كتمان الشهادة واستحقاق الإثم ، والآثم والفاسق متقاربان ، فقال بالمعنى : لا تمتنعوا عن أداء الشهادة إذا احتيج إليها ، ومن يكتمها أو يمتنع عنها كان مرتكبا للذنب ، مجترحا للمعصية والإثم ، وخص القلب بالذكر في تحمل الإثم ؛ لأنه مركز الإحساس والشعور ووعي الوقائع وإدراكها ، ولأنه أحد الأعضاء التي تقترف ذنبا ، كما يسند الزنى إلى العين والأذن ونحوهما ، فالإثم قد يكون بعمل القلب كما يكون بعمل بقية الأعضاء ، كقوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ الإسراء 17 / 36 ] ومن آثام القلب : إضمار السوء وسوء النية والقصد ، والحقد والحسد .